الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
285
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الإبل يورثها حمى في الأمعاء فلا تزال تشرب ولا تروى ، أي شاربون من الحميم شربا لا ينقطع فهو مستمرة آلامه . وقرأ نافع وعاصم وحمزة وأبو جعفر شُرْبَ بضم الشين اسم مصدر شرب ، وقرأ الباقون بفتح الشين وهو المصدر لشرب . ورويت عن ابن عمر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بسند صححه الحاكم ، وخبر الواحد لا يزيد المتواتر قوة فكلتا القراءتين متواتر . والفاء في قوله : فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ عطف على لَآكِلُونَ لإفادة تعقيب أكل الزقوم ب شُرْبَ الْهِيمِ دون فترة ولا استراحة . وإعادة فَشارِبُونَ توكيد لفظي لنظيره ، وفائدة هذا التوكيد زيادة تقرير ما في هذا الشرب من الأعجوبة وهي أنه مع كراهته يزدادون منه كما ترى الأهيم ، فيزيدهم تفظيعا لأمعائهم لإفادة التعجيب من حالهم تعجيبا ثانيا بعد الأول ، فإن كونهم شاربين للحميم على ما هو عليه من تناهي الحرارة أمر عجيب ، وشربهم له كما تشرب الإبل الهيم في الإكثار أمر عجيب أيضا ، فكانتا صفتين مختلفتين . [ 56 ] [ سورة الواقعة ( 56 ) : آية 56 ] هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ ( 56 ) اعتراض بين جمل الخطاب موجه إلى السامعين غيرهم فليس في ضمير الغيبة التفات . والإشارة بقوله : هذا إلى ما ذكر من أكل الزقوم وشرب الهيم . والنزل بضم النون وضم الزاي وسكونها ما يقدم للضيف من طعام . وهو هنا تشبيه تهكّمي كالاستعارة التهكمية في قول عمرو بن كلثوم : نزلتم منزل الأضياف منا * فعجّلنا القرى أن تشتمونا قرينانكم فعجلنا قراكم * قبيل الصبح مرداة طحونا وقول أبي الشّعر الضبيّ ، واسمه موسى بن سحيم : وكنا إذا الجبّار بالجيش ضافنا * جعلنا القنا والمرهفات له نزلا و يَوْمَ الدِّينِ يوم الجزاء ، أي هذا جزاؤهم على أعمالهم نظير قوله آنفا جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [ الواقعة : 24 ] . وجعل يوم الدين وقتا لنزلهم مؤذن بأن ذلك الذي عبر عنه بالنزل جزاء على أعمالهم . وهذا تجريد للتشبيه التهكمي وهو قرينة على التهكم كقول